27 أبريل، 2015

الاخت تريزا

الاخت تريزا راهبة نحيفة الجسم، ملامح وجهها صارمة الى حد ما، تعمل كمعلمة في احدى المدارس الخاصة بالاثرياء في الهند. وهي رشيقة الحركة تتنقل بين التلاميذ والتلميذات في الفصل كثيرا، وبين الحين والاخر تمسك باصبع الطبشور، لتكتب شيئا او ترسم رسما توضيحيا. كانت الحصة على وشك الانتهاء حين هتفت بالتلميذات قائلة :
- هل تعلمون انه بعد ان يرحل المحتل الانجليزي عن الهند ستقسم الى بلدين؟ هل ترغبون في معرفة ماذا سيطلق عليهما من اسماء؟
قال الجميع بصوت واحد:
- نعم، نعم نريد ان نعرف.
- سوف تقسم الهند الى الهند حيث يعيش اغلبية الهندوس، وشرق وغرب باكستان حيث سيحكم المسلمون.
رفع احد التلاميذ اصبعه، التفتت المعلمة اليه وقالت:
- نعم يا سونيتا، ماذا تريد؟
- اريد ان اعرف، هل هذا الامر يريده الهنود ام الانجليز؟
- الاراء منقسمة على الجانبين: البعض ضد التقسيم، والبعض يعتقد ان الطائفتين الاكبر في الهند لا يستطيعان العيش في بلد واحد.
رفعت فتاة اصبعها تستأذن في السؤال.
- نعم، اليس.
- وما رأيك انت ايتها الاخت تيريزا؟
امسكت باصبع الطبشور وراحت ترسم قلبا، ثم التفتت الى التلاميذ وقالت ماذا يحدث لو قسمنا القلب الى نصفين، ورسمت خطا في المنتصف.
-  بالتأكيد  سينزف كثيرا.
- هل فهمتم رأيي؟
- نعم ، لقد فهمنا، لقد فهمنا.
شردت المعلمة لبرهة وفكرت في ذلك: في الذي يكون الصغار قد فهموه، وهل يدركون بعقولهم الصغيرة البريئة عمق المأساة التي تتعرض لها الهند، هذا البلد الحبيب الى قلبها، والذي غادرت بلادها منذ ما يقرب من عشر سنوات لتخدم فيه. ثم قطع شرودها اصبع صغيرة ارتفعت في نهاية الفصل، وحينما اذنت للتلميذة بالكلام، سألت في حيرة:
- ولكن ماذا علينا ان نعمل؟ اقصد ماذا على الكبار ان يعملوا حتى يمنعوا ذلك؟
ابتسمت المعلمة وهي تقول:
- يوجد سبب لكوني راهبة، هو انني لا استطيع التفكير في السياسة.
دق الجرس معلنا انتهاء الحصة. انها الان الساعة الرابعة، فقالت وهي تجمع كتبها:
هيا ايها الطالبات، لقد انتهى درس اليوم، هيا، والا ستتأخرون على الطعام.
،،،،،

جاءت لويز وعلامات القلق قد غيرت ملامحها الى حد كبير، قالت في ارتباك:
- ايتها الاخت تريزا، ليس لدينا طعام.
- ماذا تعنين يا لويز؟
- لم نتسلم الطعام منذ اسبوعين.
توجهت مسرعة الى المطبخ،  سألت الطباخ بحيرة:
- هاردي، الا يوجد ما نطهيه للطالبات؟
- لا. لا يوجد شئ على الاطلاق.
وقعت اجابة الطباخ منها وقع ضربات السوط على الظهر وقالت، وفمها يرتعش رعشة تعتري الفم الذي يهم بارتشاف جرعة من كأس من الماء المتجمد. ولكنها تابعت قائلة:
- لكننا يجب ان نطعم 200 فتاة.
- يوجد اضراب في الشوارع، والكثيرون لايستطيعون الخروج من منازلهم. وانت تعرفين ان منطقتنا هذه ليست منطقة امنة للعيش، الاضطرابات بين الهندوس والمسلمين في اوجها هنا. لم تبالي بكلامه وخرجت - و لويز تتبعها - لشراء ما تستطيع شرائه من الاطعمة. بين الفينة والأخرى، كان يصل الى اسماعهما بعض الصرخات المرعبة لاناس يجرحون او يقتلون، تحملها الرياح آتية بها من كل مكان. عندما اقتربا من المكان اشارت لويز باصبعها:
- ايتها الاخت تريز، لابد ان مخزن السيد براديش هنا ، ثم صاحت وقد اقتربت من المخزن: هذا هو مخزن السيد براديش.
دهماء يجوبون الشوارع .. تظهر السماء الزرقاء محملة ببعض الغيوم المتشحة بلون داكن مميز.
توقفت سيارة تابعة للجيش الانجليزي، نزل القائد وهو يصيح بنبرة بها مزيج من اللطف والحزم في ان واحد:
- ماذا يجعل راهبتان هنا في وقت كهذا؟
- اننا من دير لوريتو، ولدينا مائتين فتاة جائعة ولا يوجد لدينا طعام.
تلفت حوله واشار الى جثة على مسافة ليست بعيدة، وقال:
- لا يوجد هنا الا طعام للجوارح، كما ترين.
- ولكني لا استطيع ترك الفتيات جائعات.
- حسنا سأفتح المخزن.، - قال وهو يصوب طلقة من مسدسه الى قفل على الباب الموصد، واردف:
- ها هو الطعام. خذا منه ما يكفيكما يا سيدتي، ثم سأوصلكما الى الدير.
حملت تريزا بعض اجولة الدقيق ونقلتها الى السيارة ثم حملت كرتونة من زجاجات الزيت للويز وهي تقول:
- هل سرقناه؟
- لا، بل استعرناه ايتها الاخت.
قال القائد وهو يتعجلهما للمضي:
- هيا ايتها الاخوات. ثم اردف وهم يستقلون العربة:
- كما ترين. لقد اعطيناهم كل شئ بذلنا ما بوسعنا، وهم يريدون الاستقلال.
ابتسمت ابتسامة متغصبة وشردت بذهنها، ففي تلك الاجواء الصعبة، هذا البلد الذي تصارع فيه الحياة مع الموت. يجعلك ايضا تقف مذهولا، بعد ان تفقد احساسك بالزمان والمكان وبكل شئ اخر، بل لا تشعر انك تقف امام اخوتك في الانسانية بل امام ساحة معركة، ليسوا بشرا ضد بشر، بل وحوشا مفترسة تطارد فرائسها في غابة فسيحة.
كان الطريق يغص بالبشر، لم يتوقف القائد عن الصياح :
- ابتعدوا عن الطريق.
ولكن اكثر ما اثر بتريزا هو منظر امرأة نحيفة تحمل طفلها وهي تمد نحوها يدها وتقول بتوسل وبصوت واهن :
- من فضلل ساعدينا.. ارجوك، سنموت.
لكن القائد يصرخ بها:
- لا تنظري ايتها الاخت اليهم، فهؤلاء هم اسوأ شعب جاء في التاريخ الهندي.. ابتعدوا ايها الغوغاء، ثم صاح بالجندي الذي يقود العربة:
قد السيارة بسرعة، اسرع.
كانت الشوارع تغص بالبشر، جثث ملقاة على جوانب الطرق، مصابين يئنون و جموع هادرة كامواج البحر. شقت السيارة طريقها بسرعة وسط بعض البشر المساكين الذين يتقاتلون لا لسبب سوى غياب الحب وانتشار الجهل. الجثث ملقاة في الشوارع. اقتربا من بوابة حديدية التي تفصلهما عن الدير، حين صاح القائد بالعسكري المرافق:
- افتح يا دوجلاس البوابات. هيا، تحرك!
عندما دخلت تريزا الى المطبخ صاحت بالطباخ:
- هيا، اعد الطعام بسرعة للطالبات، لقد احضرنا الكثير معنا.
- شكرا لله.
وعندما غادرت المطبخ رأت احد الرجال يتسلق السور، ثم يرميت في حديقة الدير كالقتيل.ما هذا؟ انه ينزف بغزارة، اصيب الفتيات الواقفات في فناء المدرسة بالهلع، وحدث هرج ومرج. صاحت بالحارس:  
- هيا، احمله الى العيادة.
عندما وضعوه على السرير، نظرت اليها لويز بحيرة قائلة:
- انه ينزف، انا لا اعرف كيف اساعده؟
- يا الهي .. حسنا  لنضغط على جروحه لانه فقد الكثير من الدماء.
- يجب ان تستمري في الضغط لنوقف النزيف.
- هل تستطيعين عمل ذلك؟
- انا مدرسة جغرافيا ايتها الاخت، ولست ممرضة.
في اثناء كلامهما حرك المصاب رأسه التي علاها الشيب قليلا، ثم فتح عيناه فارتعشت نقطتا ضوء عينيه الواهنتان، كان منظره منظر شخص يلفظ انفاسه الاخيرة، شعرت الام تريزا حينها ان البرودة تسربت الى جسدها الناحل الواهن، ارتجفت ومن ثم اسرعت الى غرفتها، صعدت الدرج الموصل لها، ودخلت الغرفة الصغيرة المظلمة، غرفتها التي تشبه الخزانة المغلقة وجلست على الفراش. جلست هناك لبعض الوقت. ثم نهضت في وحشة الظلام وسجدت الى الارض، استغرقت في صلاة عميقة، قضت ليلتها ساجدة على ركبتيها تصلي، تتخللها تنهدات عميقة لا تنقطع، من اجل هؤلاء البشر المساكين، لم تفق الا في الصباح حين دق جرس المدرسة معلنا بدء طابور الصباح.
،،،،

عند الظهر حضر الاب سامي ليلتقي بالام تريزا:
- ايتها الاخت تريزا، هل استطيع التحدث اليك؟
- نعم، بالتأكيد ايها الاب.
- لقد اخبرتني الاخت جابرييلا عن المعاناة التي تعرضتما لها.
- نعم، كان الامر مخجلا.
- مخجلا، لابد ان السبب قوي.
- نعم، لقد رأيت الاطفال خارج المدرسة يتضورون جوعا ايها الاب، لم استطع ان افعل اي شئ لمساعدتهم. 
- المهم انك عرفت كيف توفرين الطعام لبناتنا.
- لكني رأيت بنات هناك ايضا ايها الاب، انهن جوعى وهن اكثر عددا من بناتنا.
- لكن واجبنا الاول نحو مدرستنا ايتها الاخت. لا نستطيع ان نساعد الجميع.
- ولكن كيف يمكننا ذلك؟ كيف نهتم بأنفسنا فقط ونترك الاخرين؟
- لابد ان الله يهتم ايضا بالذين يعيشون خارج هذه الاسوار. نحن نعاني جميعا من الضغوط ايتها الاخت. لقد تحدثت مع الرؤساء ونشعر انك يجب ان ترتاحي قليلا، فانت بحاجة لوقت لتفهمي الاشياء على حقيقتها، ولتكتشفي الفائدة في عملك.
ثم ودعها. بينما ظلت تريزا جالسة و جال في ذهنها هذ الفكر: ان الاب محق، ولكني لا استطع نسيان ما رأيته بالخارج. انني اؤمن بانني يجب ان افعل شيئا لاساعد هؤلاء الفقراء.
قطعت تلميذة  شرودها قائلة:
- صديقتي ماري لا تستطيع النوم ايتها المعلمة، انها تعاني من الاحلام المزعجة. اصطحبت الفتاة الى حيث ترقد ماري. عندما جلست بجوارها احتضنتها هذه الفتاة ذات الستة اعوام وهي تهمس قائلة:
- ماري، حبيبتي ماري اريد ان اخبرك بشئ.
- تفضلي يا امي.
- عندما كان عمري تسعة اعوام مات والدي في بلدي البانيا، حيث ولدت. كانت هناك اضطرابات سياسية كثيرة ، ولعدة اعوام، لم افهم ما حدث، لماذا لا يعود ابي للمنزل، واعتدت ان اقول لنفسي شعرا مرات كثيرة. هذا الشعر نقوله لكي نؤمن بوجود الحب، حتى لو بدا كان كل شئ حولنا ملئ بالكراهية والدمار.
- ان قلبك ينبض بالحب يا امي لنا. اشكرك كثيرا.
 ضغطت برفق على يدها وهي تقول:
- هيا، استرخي الان يا ماري.
قبلتها في جبهتها وهي تفرد الغطاء عليها وتقول:
- اعتقد انك ستكتبين الشعر مثلي. ثم التفتت للفتيات الاخريات في الغرفة قائلة:
- ليلة سعيدة يا فتيات. ليبارككم الرب.
- ليلة سعيدة يا امنا

15 أبريل، 2015

في الذكرى المئوية لمذابح الارمن

يوم 25 ابريل 2015 يحي الارمن الذكرى المئة على مذابح الارمن على يد الاتراك والتي وصفت بانها اول ابادة جماعية في القرن العشرين.

ارمينيا بلاد فيها فلاحين فقرا كتير، 
وبجانبها بلد تاني ناسه كلهم أغنياء، 
ليهم بيوت بل قول عايشين في قصور،
وقصورهم ليها سقوف طايله السماء،
يسموا نفسهم اسياد وجيرانهم عبيد صعاليق،
قابلت هناك عم "ارمن"،
ارمن كان شاعر ومُغنّى،
يملأ الليل بالحان وتراتيل واغاني.
وسط ثلوج وقمر واشجار،
وسط برد وصقيع،
وحفيف اغصان وعصافير بتغني،
قريته كانت بترمى ضل غميق..
وشّه كان وشّ البلد.. تبتسم.. يضحك ليها،
ولو تزعل القرية، أساه يصبغ خَضار الشجر،
وكأنت حياتهم بين شتاء وصيف ، ليل ونهار، حر وبرد،
زى ما رسم ربنا لكل مخلوقاته من البشر.

وفي يوم كئيب وفي غابة معتمة ونجوم بترسل نورها البهتان،
وفي "ساعة شيطان" قام عليه اخوه "ترك" وقتله،
وانا كنت واقف من بعيد وشفت ده كله بعيني،
ووجدت نفسي احني رأسي وانظر لبعيد،
وعملت نفسي من الخوف كأني حجر،
لا اسمع، لا ارى، انا لست من البشر،
وداعب النعاس اجفاني، ورويدا زحف الوسن الي كياني،
وغطي الثلج بدني وتيبست كل اوصالي،
وكأن لا شي حدث قدامي،
ولا حتى الصوت اللي حملها الريح لاذاني،
صوت عم "ارمن" يطلب النجدة،
او حتى صوت انفاسي وانا واقف هناك مرعوب.

ولما صحيت من النوم شفت يا عينى،
طفلتين يبكوا على ابيهم ويمسحوا دموعهم فى إيد امهم،
وشوية يمسحوها فى مناديلهم الجديدة..
هي دي آخرة الاخوّة،
اخرة الطيبة والمحبة والانسانية،
تتقتل يا ارمن يا طيب يا اصيل،
وانت لو جالك فقير، كنت تشوى قلبك الطيب وتحطّوله فى رغيف؟!

وليل ارمينيا له شكله المخيف،
والبلاط.. والسقعة.. والبدن النحيف..
وتسمعوني ابكي،
لا، انا ما ببكيش على ذليل مسكين،
ما ببكيش من الظلم والتعذيب،
انا بأبكي على شعب مفروض انه جاري وقريب،
لكنه في لحظة تحول لعدو غريب.
كانت ليلة طويلة،
وكان الجرح عميق،
وكانت حفرة مظلمة، وسجن جداره عال رهيب.

ولما انتشر خبر قتله طلعت الناس تشوف ايه اللي حصل،
لقوه مقتول وقطّته جنبه قاعدة،
قاعدة مش شايفة النهار، فى انتظار ليل تاني طويل،
“ارمن مات مقتول”،
قطّته توطى.. عشان دمعتها ما تعملش ع الأرض صوت.. 
ارمن مات مقتول، 
يدمعوا.. يرسموا فوق الصدور علامات صليب..
والجرس يتلوّى فى حبال الكنيسة كانه حزين.. حزين.. حزين..
قتله الحزن.. يفرشوا فوقه الجرايد.. 
يركعوا الصغار يرصّوا على جسده ورود ورياحين،
والدموع.. غيمة على عيون الوجود.. “يا حبيبي يا عمو ارمن”..
روحى يا ماما الكنيسة وسيبينى قاعدة جنبه،
يا حبيبى يا عم ارمن.. أمها تبكى وتاخذها من إيديها..
مات شهيد.. مات شهيد الليل .. مات.. وكان عاوز يعيش،
الوداع يا عمو ارمن..
 “الوداع يا قطته اللي قاعدة جنبه”
الأغراب شالوه زى الهوا، اصله كان من الجوع جسده نحيل،
دق الجرس فوق الكنيسة.. انشدت الناس الحان حزينة وتراتيل.

وعدى قرن من الزمان،
كنت لابس فيه وسام الصمت المهين،
"ترك" ينكر ويقول يا ترى هو ميت طبيعي ولّا قتيل؟ 
يا اللا فكروا معاي، بس هاتوا دليل! 
وبنته، لمحتها حانية ركبها وعلى قبره راسها مطاطية ،
كانت ضفائرها الذهبية، في ضوء الاصيل مع الريح تتهادي،
مكدودة ومن الحزن مهدودة،
لا تقوى على الكلام ولا حتى انها تنادي، 
كانت عاجزة، وكنت أنا صامت مشلول،
"اوه، ايها التاريخ الحزين!"،
سمعتها تتنهد بحزن دفين،
بعدت عنها ووقفت اراقب من بعيد، 
ناس كتير رايحين جايين،
ماسكين زهور يحطوها على شواهد وقبور،
وأطفال صغار يبكون،
ارثي.. ولا ابكي،
والناس تردّ الآهة آه،
والنهارده يوم حزين،
قتله ليل بارد وطويل،
اصله كان لابس لبس خفيف،
قتلته الآه، 
قتلته شنبات رجالة لابسين طرابيش،
قتلته قرارات ظالمة بالترحيل،
قتلته احقاد واوهام وتهم واكاذيب،
قتلته وساوس ابليس في عقول ملاها جهل مقيت،
ومرت السنين، وعدت مسيرة المليون ونص شهيد.
وبعد قليل الضباب عمّال يضيع.. والشمس اكيد بتشرق من جديد...

===
http://armenian-poetry.blogspot.com

http://1915armeniangenocide.blogspot.com/

10 أبريل، 2015

بار اباس

كان يقف بعيدا بعض الشىء عند أسفل المنحدر مائلا الى ناحية، وقد تسمرت عيناه على الرجل الذى يجود بأنفاسه فى الوسط، وظل يراقب آلام موته منذ اللحظة الأولى حتى النهاية . اسمه باراباس. كان يناهز الثلاثين ، متين البنيان ، بشرته شاحبه ، ولحيته محمره ، وشعره اسود ، اما عيناه فغائرتان جدا وكأنهما تودان الاختباء . وكان هناك تحت احدى العينين ، جرح غائر يختفي عن الأنظار داخل لحيته. ها هو الأن يقف فوق التل الذى انتصبت عليه المقاصل محملقا فى الرجل المعلق على الصليب القائم فى الوسط ، عاجزا عن انتزاع عينيه.

منذ اللحظة التى رآه فى خلالها فى فناء القصر وهو يحس بأن ثمة غرابة تكتنفه. ما طابع هذه الغرابة؟ أنه لا يدرى. كل ما فى الأمر أنه يحس بها. وهو لا يذكر أنه التقى من قبل بشخص مثله، ولكن قد يكون السبب فى هذا الاحساس أنه خرج لتوه من الزنزانة ومن المحقق أيضا أن هذه المرأة أمه على الرغم من أنها لا تشبهه ، ولكن من ذا يستطيع أن يشبهه ؟ تبدو وكأنها قروية ، مكدودة وحزينة، وهى قد ظلت تمسح أنفها وعينها بمنديل في يدها ، وكأن أنفها يسيل لايضا، لكنها لم تنتحب، لم يكن حزنها شبيها بحزن الآخرين عليه، كذلك لم تكن تنظر. كان الضياء ينتشر ببطء ، مثلما يحدث وقت الفجر . وشمل ضوء النهار التل وأشجار الزيتون المحيطة بالمكان ، والطيور التي صمتت بدأت تشقشق من جديد . مثلما يحدث وقت الفجر . أما الاقارب الواقفون أعلى التل فشملهم صمت عميق . لم يعد يصدر عنهم صوت بكاء أو عويل . وانما وقفوا لا يبدون حراكا ، متطلعين الى الرجل المصلوب - حتى الجنود فعلوا ذلك . لقد ران السكون على كل شىء . وفكر في نفسه:
- استطيع الأن أن اذهب الى أى مكان اريد، لقد انتهى كل شىء، والشمس قد سطعت من جديد. لكن لا سأسير وراءهم.. وسار باراباس وراء الموكب الحزين على مسافة غير بعيدة ، الرجال يحملون الجسد المدرج في أكفانه ، والنسوة يسرن فى المؤخرة . تبعهم وبينه وبينهم مسافة تجعلهم لا يلمحونه . وفى حديقة غير بعيدة وضعوا الميت فى قبر منحوت فى صخرة . وبعد أن وصلوا بجوار القبر سدوا المدخل بحجر كبير وانصرفوا .
وسار متجها الى القبر ، ووقف هناك فترة . لكنه لم يصل ، ذلك أنه آثم ولن تقبل صلاته . وخاصة أنه لم يعاقب على جريمته . يضاف الى هذا أنه لا يعرف الرجل الميت . ومع ذلك فقد لبث هناك فترة .
ثم مضى بدوره ، متجها الى أورشليم . بعد بوابة داود ، وعلى مسافة غير بعيدة فى الطريق ، التقى بامرأة كانت تسير بمحاذاة جدران البيوت، اكتفى بان سألها عن وجهتها، وهل سمعت أنباء من الجلجلثة . وكانت تجيب في أضيق الحدود ، وتمضغ الكلمات، بحيث كان من الصعب فهم ما تقول، سار في الطريق وانتهى به الامر في حانة، يجلس فيها بضعة رجال وثلاثة نسوة .. ما ان لمحنه حتى أفسحوا له سريعا مكانا على المائدة ، وأخذوا يصبون له الخمر ويتحدثون جميعا فى وقت واحد : يتحدثون عن خروجه من السجن واطلاق سراحه وكيف أنه محظوظ لأنهم صلبوا الرجل الآخر بدلا منه ! واستبدت بهم الخمر، لكنه جلس معظم الوقت شاخصا ببصره إلى الأمام، بعد ذلك بدأ رجلين حديثا هامسا مع باراباس ، ذكرا فيه أنهما سيعودان الى الجبال مرة أخرى هذه الليلة بمجرد أن يخيم الظلام ، وتساءلا : متى يعود هو الى الجبال مرة أخرى ؟ وأبلغاه مكان عرينهما فى الوقت الحالى . وأومأ باراباس برأسه علامة الفهم ، لكنه لم يجب بحرف .
وبدأت احدى النساء تتحدث عن الرجل الذى صلب بدلا من باراباس . وهى قد رأته مرة ، وان كان ذلك فى أثناء مروره أمامها ، وقال الناس : انه رجل متفقه فى الكتب المقدسة ، وانه يسير بين الناس يتكهن ويأتى بالمعجزات، وقالت امرأة أخرى : انها لم تراه قط لكنها سمعت أنه قال : ان الهيكل سينهار ، وان أورشليم ستندثر بسبب زلزال ، وأن النار ستلتهم السماء والأرض بعد ذلك، ليس غريبا اذن أن يصلبوه بسبب ذلك .
لكن المرأة الثالثة قالت : انه كان يختلط معظم وقته بالفقراء وأنه اعتاد ان يعدهم بدخول مملكة الرب ، حتى العاهرات ! أضحكهن هذا كثيرا ، لكنهم رحبن بالفكرة اذا كانت صحيحة .
أخذ باراباس ينصت اليهن ، ولم يعد شاردا ، برغم أنه لم تبدر منه أية بادرة ، لم تبدر منه حتى ابتسامة . 
سألته المرأة:
- هل تعتقد انه المسيح؟
- المسيح ؟ ... لا ، انه لم يكن المسيح ، تمتم بهذا لنفسه .
وقال أحد الرجال : لا ، لا يمكن أن يكون المسيح بالطبع ، والا عجزوا عن صلبه . ولو كان المسيح لخر هؤلاء السفلة على الأرض مصعوقين . الا تعرف كيف يكون المسيح ؟
- لا بالطبع ! ولو كان المسيح لنزل من فوق صليبه ولذبحهم جميعا !هل يعقل أن يدعهم المسيح يصلبونه !
لكن باراباس ظل شاردا.
- أوه ، فلتشرب الآن يا باراباس ولا تجلس هكذا تكلم نفسك ... قالها أحد أعوانه وهو يوخزه فى ضلوعه .. وبالفعل تناول باراباس جرعة من الوعاء الفخارى ، ثم اعاده الى مكانه وهو شارد . وسرعان ما ملأنه النسوة من جديد وجعلنه يتناول جرعة أخرى . لابد أن الخمر فعلت فعلها. ومع ذلك بدا أن أفكاره لا تزال تحوم فى مكان آخر . ووخزه الرجل بكوعه مرة أخرى .
- ما هذا ، اشرب وامرح ! ألا يفرحك أنك نجوت ، وأنك تجلس هنا متمتعا وسط أصدقائك ، بدلا من أن تتدلى من صليب ويدب فيك العفن ؟ أليس هذا أفضل ، هه ألا تقضى هنا وقتا طيبا ؟ تصور يا باراباس ! لقد نجوت بجلدك ، أنت حى ! أنت حى يا باراباس!
في تلك الليلة ظل راقدا وعيناه مفتوحتان، وقد طار منه النوم . ومن خلال أوراق الشجر الجافة التى تظلل السقف استطاع أن يلمح السماء ، لابد أنها السماء على الرغم من أنه لا يلمح أى نجوم، لا شىء غير الظلام . فالظلام يخيم الأن على جولجوثة ، وعلى كل مكان .
وفي الصباح انطلق في طريق وادي قدرون، ببعض الرجال يجلسون ويتحدثون عن هذا الرجل نفسه .. شىء غريب. ما شأنهم بيسوع؟ ولماذا يتهامسون دائما؟ كان الرجل الاكبر سنا هو الشخص الوحيد الذى يصدر صوتا مسموعا يين حين وحين ، هل يقولون شيئا عن الظلمة .. عن الظلمة التى خيمت حينما مات .. ؟

وأخذ يرهف السمع ، ويلغ من شدة حماسه أنهم لحظوا ذلك دون شك . وفجأة ران عليهم صمت تام، وظلوا - لفترة طويلة - لا ينبسون ببنت شفة. كانوا أربعة ، وبعد هنيهه استأذنوا الرجل الاكبر سنا. ووجد باراباس نفسه وحيدا معه، نازعته نفسه فى التحدث معه ، لكنه لم يعرف كيف يبدأ؟ وظل الرجل جالسا وقد زم شفتيه، يهز رأسه الضخم من حين لآخر. وكما على عادة الناس البسطاء، أخذ يعبر عن متاعبه بحركات خاصة برأسه . وفي النهاية سأله باراباس - بشكل مباشر - ماذا يحزنه. وتطلع اليه الرجل فى اضطراب، بعينيه الزرقاوين المستديرتين ، دون أن يجيب في الحال . ثم قال: - أوه . ألم تسمع بمن صلبوه أمس فوق تل جولجوثة؟
- نعم، لكن لماذا صلبوه ؟
- لأن وقوع هذا الآمر كان محتوما .
- محتوما ؟ هل كان صلبه محتوما ؟
- بكل تأكيد . ورد هذا فى كتب الانبياء ، يضاف الى ذلك ان المعلم اخبرنا بأنه سيصلب.
لكنه سيعود ليتجلى فى مجد . انه سيقوم من موته ! نحن على يقين من هذا .
- يقوم من موته ! كلام فارغ ! 
- أنت لم تعرفه قط . لكن الكثيرين منا يؤمنون . و لماذا لا يحيا من جديد وهو الذى أحيا كثيرين بعد موتهم ؟
فلماذا تركهم يصلبونه اذا كان يتمتع بكل هذه القدرة ... ؟
- نعم ، نعم ، مفهوم .. ليس من السهل ادراك ذلك ، أنا أوافقك على هذا .انني ، كما ترى، رجل بسيط ، وليس من السهل فهم كل هذا، لكن عليك ان تثق بابن الله.
- وهل تتصور أن يهبط ابن الله للأرض؟! وهل تتصوره يأتي من الناصرة؟
- أوه ! لم لا ؟ ان هذا ممكن. صحيح أنه مكان متواضع ولكنه هكذا تنبأ الانبياء.
- لكن لم اكتفي بأن يجول في قرانا ويعظ دون ان يقهر اعداءنا الرومان؟  
- ان الخلاص من الخطية اهم من الخلاص من الاعداء المنظورين بما لا يقاس.
كان الرفيق الشيخ جد مخلص قى قوله لدرجة جعلت باراباس يبتسم، وكان أكثر من متحمس لذا استطرد قائلا:
- و العجائب التى حدثت حين موته ، هل فكرت فيها؟
- اى عجائب ؟
- ألا تعرف أن السماء أظلمت حينما مات؟
أشاح باراباس بوجهه وفرك عينيه لحظة، لقد اعاد الى ذهنه ما رأته عيناه واذهله جدا.
- لقد تزلزلت الأرض و انشق تل جولجوثة الى نصفين فى البقعة التى كان فيها الصليب .
وضع يده على ذراع باراباس وهو يقول :
- اسمع ... لم أكن مع المعلم حين تعذب ومات . لقد وليت الأدبار فى ذلك الحين . تخليت عنه وهربت . وقبل هذا أنكرته . تلك هى أكبر مصيبة . لقد انكرته . كيف يعفو عنى ، اذا هو عاد ؟ ماذا أقول له ؟ بم سأجيب ان هو سألنى ؟ لقد سألتني : ماذا يحزنني . أنت تعرف الآن . أنت تعرف الآن اى نوع من الرجال أنا .. وان سيدى ومعلمى ليعرف أكثر . أنى انسان مسكين تعس منكود ! هل تعتقد أنه سيغفر لى ؟
وأجاب باراباس بأنه يعتقد ذلك . لم يهمه - بصفة خاصة - سؤال الرجل، لكنه أجاب عنه بالايجاب، من باب الموافقة من ناحية ، ومن ناحية أخرى، لأنه لم يعد في وسعه الا ان يحب هذا الرجل الذى أخذ يتهم نفسه وكأنه مجرم ، مع أنه لم يرتكب خطأ . من ذا الذى لم يتخل عن انسان آخر بأى شكل؟
وفى تلك اللحظة مرت بهما مجموعة من الرجال يسيرون فى الطريق، خارج الأعمدة . ولما لمحوا الرجل الضخم الأحمر الشعر ورأوا من الشخص الذى يتحدث اليه ويمسك بيده حملقوا وكأنهم لا يصدقون ما يرون . واندفعوا الى الأمام ، وعلى الرغم من أنهم اقتربوا من الرجل الرث الثياب في احترام يسترعى النظر فانهم انفجروا قائلين :
- ألا تعرف هذا الرجل ؟!
وأجاب بصدق : لا ، لست أعرف ، لكنه رجل طيب القلب ، وقد تجاذبنا أطراف الحديث معا .
- ألا تعرف أن المعلم صلب بدلا منه؟!
كان باراباس قد نهض واقفا، ولبث هكذا وظهره ناحيتهم وبذلك لم يعد وجهه ظاهرا . ثم التحف باراباس بعباءته ومضى الى الطريق وحيدا دون أن ينظر خلفه .

بار لاجير كفست
===
موضوعات ذات صلة:
باراباس .. انا وانت
يسوع ام باراباس

7 أبريل، 2015

العشاء الاخير


حينما سأل يهوذا السيد عمن الذي يسلمه كان يمكن الا يجيب، ولكنه اجاب دون ان يعي بقية التلاميذ عن شخصية مسلمه.
هذا السرد الروائي يصف لنا كيف كشف الرب يسوع عن مسلمه دون ان يعلم بقية التلاميذ.
+++
التفت يسوع لتلاميذه وقال لهم:
شهوة اشتهيت أن آكل معكم هذا الفصح قبل أن أتألم. إني أقول لكم إني لا آكل منه بعد، حتى آكله جديدًا في ملكوت الله..
ثم أمسك المعلم بالكأس الأول من عصير الكرم، وشكر الله على ثمار الحقل، وأعطى تلاميذه قائلًا:
مبارك أنت الإله الأبدي الذي فديت الشعب. مبارك ملك الوجود، خالق ثمار الكرم.
  تقدم يوحنا أصغر الموجودين بالسؤال التقليدي للمعلم:
لماذا يا معلم تختلف هذه الليلة عن أي ليلة أخرى؟
فقص يسوع قصة التحرُّر من عبودية فرعون والفداء بالدم، ولكنه قصَّها بطريقة جديدة جعلت أندراوس يتذكر قول معلمه يوحنا المعمدان عن يسوع "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم كله"، ثم سبَّحت جماعة التلاميذ الجزء الأول من الهاليل (مز 113، 114).. وشكر المعلم، ثم قدَّس الكأس الثانية، وبعد هذا أخذ المعلم كسرتين من الخبز وكسر الأولى ووضعها على الثانية وشكر الله الذي أخرج القمح من الأرض، ثم مرَّر كسرة الخبز على الأعشاب المرة وغمسها في حساء الفاكهة وأكلها، وأخذ قطعة صغيرة من لحم الحمل فأكلها، وتبعه تلاميذه كل منهم ينتزع نصيبًا من لحم الحمل ويأكله، وعظم منه لا يكسر، وبين الحين والآخر يزدرد كل منهم بعض الأعشاب المرة.
وكان من المفروض أن يتقدم أحد الخدام أو أصغر الموجودين بطست في يسراه وإبريق في يمينه للجماعة ليغسلوا أيديهم ويستكملوا طقس الفصح، ولكن التلاميذ فوجئوا بالمعلم ينهض من العشاء يخلع ردائه، ويأخذ منشفة يئتزر بها.. أمسك الأبريق وصب الماء في المغسل، وحمل المغسل إلى تداوس أقرب واحد منهم، وركع أمامه يطلب منه مدَّ رجليه، فأطاع تداوس في خجل، وراح يسوع يفك سيور الصندل، وأمسك بالقدمين المتسختين بتراب الأرض وغسلهما بالماء الدافئ وجفَّفهما بالمنشفة، ورغم أن يوحنا حاول القيام بهذا العمل إلاَّ أن المعلم لم يسمح له بذلك قط.. ومن يطيق ومن يحتمل أن السيد يركع أمامه كعبد ليغسل أقدامه؟! كل منهم يأبى هذا ولكن أين المفر؟! ما عدا يهوذا الذي مدَّ قدماه بدون استحياء إذ ماتت فيه الحياة، وأمسك السيد بقدمي يهوذا يربت عليهما في حنان بالغ وكأنه يريد أن يقول له:
"أقبل قدميك لا تُلقي بنفسك في الهلاك.. يا يهوذا يا إبني.. أنا سائر في درب الموت بإرادتي.. فلماذا تجلب على نفسك حكم الموت يا يهوذا؟!..
غسل يسوع أقدام يهوذا رغم علمه في أي طريق سعت هاتان القدمان الليلة الفائتة..!!
أما بطرس الذي فاض قلبه بالحب لسيده فإنه لم يتململ مثل بقية إخوته من الآباء الرسل. بل منع رجليه عن السيد قائلًا:
- يا سيد أنت تغسل رجلي..؟! لا يكون هذا ابدا.
وبرقة بالغة قال يسوع:
- لست تعلم الآن ما أنا أعمل يا بطرس، ولكنك ستفهم فيما بعد.
- لا .. لن تغسل رجلي أبدًا.
- إن كنت لا أغسلك يا ابني فليس لك معي نصيب..
وبسرعة خاطفة مدَّ بطرس قدميه ويديه وأحنى هامته وهو يقول:
- كلاَّ يا سيد كلاَّ.. ليس رجلي فقط بل أيضًا يديَّ ورأسي وكل جسدي.
- الذي قد أغتسل ليس له حاجة إلاَّ إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله. وأنتم طاهرون وليس كلكم..
وبعد هذا أخذ يسوع رداءه واتكأ وهو يقول:
- أتفهمون ما صنعت بكم؟
عمّ الصمت بينما تعلَّقت أعين الجميع ببطرس بعد أن تكلم معه المعلم عن ارتباط هذا العمل بالنصيب الصالح، ولكن ولا بطرس أدرك ما يجري، ولهذا لم يكن لديه لا إجابة ولا نصف إجابة.
فقال يسوع: أنتم تدعونني معلمًا وسيدًا وحسنًا تقولون لأني أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض، لأني أعطيتكم مثالًا حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا. فتململ يهوذا قائلًا في نفسه: مالنا وشغل الخدم والعبيد؟
ثم أردف يسوع قائلًا:
الحق الحق أقول لكم أنه ليس عبد أفضل من سيده ولا رسول أعظم من مرسله.. الكبير فيكم ليكن كالأصغر، والمتقدم كالخادم، لأن من هو أكبر؟.. الذي يتكئ أم الذي يخدم؟. أليس الذي يتكئ؟ ولكن أنا بينكم كالذي يخدم.. أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه..
حدث هذا بينما وقف " لوسيفر " مشدوهًا وشياطينه قد اعترتهم الحيرة، لأنه استعصى عليهم فهم فكر الاتضاع، فنظروا باشمئزاز وقال لوسيفر لملائكته: ألم أقل لكم أنه مجرد عبد، ولا يزيد عن كونه عبدًا، ولذلك قام بعمل العبيد.. أليس حسنًا أننا حركنا حبيبنا يهوذا ليبيعه بثمن عبد.. آه أيها العبد.. إنني في لهفة من أمرك.. عندما تقطر دماءك.. دماء العبيد على صليب العار.. لن تستطيع فكاكًا يا يسوع من فخ الصليب الذي أعدَّدته بحكمتي!!
واضطرب يسوع بالروح، ولأول مرة يفتح ملف التلميذ الخائن المرائي، ويتنهد قائلًا: 
الحق الحق أقول لكم إن واحدًا منكم سيسلمني..
حقًا كان المعلم يعلم أن يهوذا سارق ولص يسلب الأموال التي تضعها السيدات الثريات في الصندوق، ولكنه ستر عليه طويلًا سترًا يفوق الوصف، وربما همست بعض النسوة في أذن بطرس بما يجري، ولعل بطرس لفحه بنظرات الريبة والشك، حتى توقع الخائن أن المعلم سيطالبه بتسليم حساب وكالته، مع أن المعلم قد مكَّن له الحب إلى درجة تفوق الخيال، وإزاء حديث المعلم صمَّ يهوذا أذناه وكأنه لم يسمع شيئًا، أو كأن الموضوع لا يخصه، وبدا الذئب في ثياب الحملان، وتناسى أنه بالأمس سعى إلى رؤساء الكهنة يعرض عليهم تسليم حمل الله، وهم فرحوا به جدًا وأعطوه ثلاثين من الفضة، فعاهدهم على تسليمه، ولاسيما أنهم أقنعوه بأنه من المستحيل أن يكون يسوع هذا الذي ينادي بمحبة الأعداء هو المسيا.. إنه يود لو يُضيّع الأمة ويخرب الهيكل.. آه لو همست يا يهوذا في أذن سيدك بأنك أنت الذي اتفقت مع القيادات الدينية على تسليمه، لخلصك سيدك من الفخ الذي أمسك بك، ولكن للأسف الشديد فإنك يا يهوذا اتخذت من هيروس مثلًا أعلى لك، ذاك الذي من أجل الأقسام ذبح المعمدان.
أما التلاميذ الأطهار فقد وقع عليهم الخبر وقوع الصاعقة، فاغتموا وأصابهم الأسى والأسف والحزن العميق، وكلمات يسوع الرزينة المؤثرة ترن في آذانهم، ففقدوا الثقة في أنفسهم، لأن ثقتهم في معلمهم فاقت ثقتهم في أنفسهم، ونظروا إلى بعضهم البعض نظرات الحيرة والتساؤل، ولم يجرؤ أحدهم على الاعتراض ولا بطرس ذاته، فما دام يسوع قال هذا فلابد أن يحدث هكذا.. تُرى مَن منا سيسلمه؟!
ورفع يعقوب بن حلفا إصبعه في مذلة وانكسار قلب قائلًا:  
- هل أنا يا رب؟
وصمت المعلم، وصمته هذا لم يمنع بقية التلاميذ من طرح ذات السؤال: 
- هل أنا يا معلم؟.. هل أنا يا سيد؟!.. هل أنا يا رب؟!.. 
عجبًا لتلاميذ بسطاء يشكُّون في أنفسهم ولا يشكُّون في أخيهم الذي كان لصًا، وتبًا لك يا يهوذا لأنك وأنت صانع هذا الأمر بعينه تركت أخوتك يتعذبون في شكوكهم، وكان بإمكانك أن تريحهم وتربح نفسك.. لماذا يا هذا دفعت بنفسك في زمرة القديسين وأنت لست بقديس؟! ومالك تضع نفسك في مجمع الأطهار وأنت لستُ بطاهر؟!
بل وأكثر من هذا أن يهوذا ظنها تسلية، فكل واحد يقول له: 
- هل أنا يا رب؟ 
والمعلم صامت لا يجيب، وإذ ملأ الشيطان قلبه وغطى الرياء حياته، قرَّر أن يسأل ذات السؤال مع استبدال كلمة يا رب بكلمة يا سيد، فقال: 
- هل أنا يا سيد؟
ولا عجب فإن الخطاة "يقتلون الأرملة والغريب ويُميتون اليتيم. ويقولون الرب لا يبصر إله يعقوب لا يلاحظ" (مز 94: 6، 7).
وكان لابد للسيد أن يجيب، لئلا يظن يهوذا في جهله أن المعلم يجهل أمره، وإذ أراد المعلم أن تصل الإجابة إلى يهوذا فقط دون بقية التلاميذ حفاظًا على مشاعره. صمت قليلًا ثم همس في أذن يهوذا الجالس عن يمينه دون أن يسمعه أحد: 
- أنت قلت.
ولم يلحظ أحد من التلاميذ ما قاله المعلم ليهوذا الذي تصنَّع الاتزان والهدوء، وكأنه أصم لم يسمع صوت المعلم، وتساءل يهوذا في نفسه: ألعل أحد رآه بالأمس وهو يدخل إلى قصر قيافا، وأخبر المعلم بما كان؟!

وتململ بطرس في جلسته، فهو لابد أن يعرف من الذي سيسلم سيده.. أنه على استعداد تام للفتك به وليكن ما يكن، فأي عار أن يخون التلميذ معلمه؟! ومع انفعالاته هذه، فإنه لم توآته الشجاعة ليسأل المعلم عمن هو، فمنذ قليل أسكته المعلم عندما احتج على غسل الأرجل، فآثر بطرس الصمت كمدًا، ولكنه لم يحتمل، فأومأ للتلميذ الصغير الجالس عن يسار المعلم، وفهم يوحنا وأطاع، وهمس في أذن معلمه: 
- من هو يا رب؟

ولم يشأ المعلم أن يرد ليوحنا سؤالًا، ولم يشأ أيضًا أن يعرف بطرس من هو، ولا يريد أن يفضح يهوذا أمام الجماعة، فبحكمته الإلهية ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد، إذ همس في أذن يوحنا دون أن يسمعه أحد: 
- الذي يغمس يده معي في الصَّحفة هو يُسلّمني.

وقد كان من أدب التلاميذ أنهم متى لمحوا يد السيد تتجه إلى الصَّحفة رفعوا أيديهم، أما يهوذا إذ سكنه شيطان الكبرياء كان يزاحم معلمه في الصَّحفة، وربما يكون الشيطان قد صوَّر له أنه هو الأحق برئاسة هذه الجماعة، وصمت يسوع حتى ازدرد يهوذا ما في فمه، ولكي يؤكد ليوحنا ذات المعلومة همس في أذنه قائلًا: 
- هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه..

وإذ كان الطقس يُفرض أن رب العائلة يغمس لقمة في صَّحفة الفاكهة ويعطيها للابن الأكبر أو أكبر الحاضرين، فعل يسوع هكذا، وغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا الذي أنتفخ ونفش ريشه أمام أخوته، وكأنه يقول لبطرس الذي طمع في مكانه منذ قليل: أنظر تقدير ومعزَّة وإحترام المعلم لي.. فمن أنت حتى تطمع في مكاني ومكانتي؟!

وكان الشيطان يغوي ويناوش يهوذا من الخارج، أما بعد اللقمة فقال لوسيفر لأحد أتباعه العتاولة: أدخل إلى يهوذا، فهوذا قلبه مكنوسًا مزينًا، فتربع على عرش قلبه، وشكّل فكره، وأجعل نظراته زائغة، وأفقده القدرة على التركيز.. هوذا أنت تعرف مهامك.

أما يوحنا ففهم وأدرك.. تأثر جدًا وتأسى في نفسه.. ختم على الأمر ولم يفصح، واجتهد كثيرًا حتى لا تفضحه مشاعره، وقال في نفسه: ياللهول.. يهوذا الذي وهبه السيد سلطانًا على الشياطين، حتى كان يطردها ويزجرها وينتهرها، يبيع نفسه للشيطان، ويصير مأوى للشياطين ولكل روح نجس.. يالحزن النفس وكسرة القلب!!
قال يسوع: 
- ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يُسلَّم ابن الإنسان.

إنها محاولة أخيرة لعل يهوذا يرجع إلى نفسه، ويدرك الأمور على حقيقتها.. إن ابن الإنسان سيمضي كما هو مكتوب، بحسب مشورة الله المحتومة.. نعم هذا سيتم يا يهوذا.. سيتم سواء سلمتني أو لم تفعل، فلماذا تزج بنفسك يا تلميذ في طريق الخيانة البشعة؟!!
حينئذوقال يسوع بصوت مسموع: 
- يا يهوذا.. ما أنت فاعله فأفعله بأكثر سرعة.

وقال بطرس في نفسه: 
- ألعل المعلم قد أرسله في مهمة عاجلة لشراء احتياجات العيد..

وقال تداوس في نفسه: 
- لعل المعلم يكون قد أرسله في مهمة تخص الفقراء.

وأدرك يهوذا أن المعلم يعرف الأمر كله، وأن كل أوراقه صارت مكشوفة، فتضايق جدًا، وشعر كأن شيطانه يلف حبلًا حول رقبته، ويخنقه، لذلك أدار ظهره للجالسين وانطلق كالسهم الطائش، بنظرات زائغة ويدان مرتعشتان، وعقل فقد اتزانه، ويده على جيبه تتحسَّس الكيس الجلدي الخفي وبه ثمن الخيانة.. خرج يهوذا وكان الوقت ليلًا، فغاص في ظلمة الليل البهيم منطلقًا إلى بيت قيافا حيث طريق الهلاك.

كتاب "كنت معه هناك" - حلمي القمص يعقوب

4 أبريل، 2015

زكريا واسبوع الالام


القرية خاشعة صامتة، والحزن يملأ كل بيت، لا يحيُّون بنهارك سعيد، ولا يصبِّحون ولا يمسُّون بالخير، سلامهم هو "المسيح مخلصنا"، ورده "جاء وتألم عنا". الكنيسة كخلية النحل، ناس تجيء وناس تروح، القلوب تتأوه، الجدران تتنهد، والقبة تولول مهدودة الحيل، الصلوات خمس كل يوم، وعن الصوم لا تسأل، لا يفطر ولا يأكل البيض واللبن إلا المريض وقليل التدين …
كان زكريا وهو رجل في الاربعين من عمره عرف ببشاشته وبساطته وتقواه، يكون اول الحاضرين الى الكنيسة عند ضرب الناقوس واخر من يغادرها عند سماع البركة الختامية، كانت كنيسة القرية صغيرة، تضم سكان القرية والبالغ عددهم عشرين اسرة. 
في ذلك اليوم، ليلة الاربعاء، دق الجرس عند الغروب دقات حزينة. وصل زكريا الى الكنيسة، سار في ساحة الكنيسة بجلال ووقار كان يمشي بمهل، ثم قبل صورة الصلبوت وهو يتنهد، أخرج من عبِّه مسبحة ليصلي، كان أحيانًا يتأوه وهو ينظر إلى مسبحته ليرى أيَّ مسافة قطع، إن صلاة واحدة بتركيز افضل من عشرة الاف بدونه.... تذكر زكريا التقليد القديم، يوم كان الناس يبقون في الكنيسة الاسبوع كاملا لا يغادرونها، وأخيرًا زمَّ بأنفه فجأة ورد بطرف شفتيه بحدة وتنهد: يا للأيام التي وصلنا إليها، ثم تلى بضعة فقرات من كتاب البصخة بصوت مرتجف ينم عن تأثره مما يقرأ.
لم تمض نصف ساعة حتى امتلأت الكنيسة بالمصلين، لباس الجميع السواد وكأنما استحالت الكنيسة ديرًا والمصلون رهبانا، والكثيرون لم يصلحون من هندامهم إماتة لنفوسهم، وبعض الشيوخ الأتقياء يأتون قبل موعد الصلوات.. الجميع يرشمون علامة الصليب حين يدخلون الكنيسة، بعضهم يُقبِّل الباب، وآخرون زاوية الهيكل، ومن يختصر يتلو الصلاة الربانية في مكانه. الشماس الذي يحضر للصلاة يلثم يد الكاهن أولًا، ثم يضع يده على صدره تحية لاخوته الشمامسة، الذين يلتفون حلقات حول صورة الصلبوت الموضوعة في منتصف صحن الكنيسة.
كانت عظة هذا اليوم عن خوف التلاميذ وقت القبض على المسيح. وقف الكاهن على المنبر ليلقي العظة فبدأها بمعلومة طقسية، فقال:
"في كنيستنا تتكرر ثلاث تسبيحات في كل خدمة طقسية، ولكننا نترك هذه التسابيح الثلاث: هليلويا وذوكصابتري واكسمارؤوت، في هذا الأسبوع بالذات. ولم يأت دون قصد أو على سبيل السهو، بل سنكف عن ترنيم هذه التسابيح الثلاث طوال فترة الآلام، ولهذا مدلول روحي عميق: إذ عندما يكف المؤمنون عن إنشاد ترانيم المجد هذه فإنما يتذكرون أن الله نفسه قد ترك مجده السماوي ونزل إلى أرضنا البائسة التعسة، ولن تجد هللويا طريقها في فترة الآلام إلى قلوب المؤمنين، إذ كيف يرى المؤمنون مخلصهم مجربا باكيا متألما وهم يفرحون وينشدون، أمام مرأى المسيح المتألم تذبل كل صيحة من صيحات الفرح والتهليل، أمام صورة المسيح المصلوب تختنق العبارات وتموت الهتافات...
+++
عقب انتهاء الخدمة ذهب الشمامسة لحضور حصة الالحان من اجل مراجعة الحان الجمعة العظيمة. لكنهم بدلا من مراجعة الالحان استعدادا ليوم الجمعة العظيم راحوا يتحدثون في موضوعات شتى، … ولم ينقطع سياق الحديث، وانجرَّ الكلام إلى تلاميذ المسيح، فتعجب زكريا كيف جبنوا وتركوا المخلِّص بين أيدي اليهود، لم يذكروا خبز العشاء السري وخمره، فما سهروا معه ساعة واحدة، تركوه يبكي وحده في البستان. وبطرس الذي اندفع وادَّعى المحبة القوية، أنكره ثلاث مرات قبل صياح الديك. واحتدم جدالهم، فأمست لهم ضوضاء كأنهم على الجلجلة ساعة الصلب، قال زكريا:
- لو كان ربنا في أيامنا هذه، لكان عرَّف اليهود قيمتهم.
فأحسَّ المعلم بغصة قليلًا، ولكنه بلعها، وقال بحدَّة:
- اسمع يا زكريا، هذي إرادة ربنا يسوع المسيح له المجد، وهو لو اراد كان محى أثر اليهود من الدنيا. ألم تسمع قول الإنجيل اليوم، حينما قال المسيح "أنا هو"، هذه الكلمة قلبتهم على ظهورهم.
وأعجب المعلم برده هو، بينما قال زكريا:
- هذا صحيح يا معلمي.
وسمع المعلم جرجس هذا الكلام فتهيأ واستعد لبداية حصة المراجعة، كانت الحصة تضم الشمامسة من جميع الاعمار، من سن 7 سنوات الى سبعين، فحفظ الالحان لا يتوقف على عمر، فبعض الصغار يفوق الكبار في الحفظ وحلاوة الصوت ايضا، وبعض الكبار يحفظ الالحان من صغره، لكنهم مجتمعون فقط لضبط اصواتهم فيما بينهم: ضبط عدد الهزات وطولها وطبقة الصوت وتختم ببعض التعليمات من المعلم بخصوص الحضور والوقوف في خورس الشمامسة... وما ان امسك المعلم بكتاب "خدمة الشماس" حتى سأل سامي عن سبب ظهور المسيح للنساء أولًا ثم للتلاميذ، فأجاب رامي بخبث:
- حتى يشيع الخبر حالًا … النساء لسانهم ...
تلفظ رامي بهذا القول الشائع، لكن زكريا تداركه برفع صوته فطمر الكلمة الاخيرة وهو يغمز، لكن رامي شد جبته وهو يصرخ: اتركني.
ولم ينتبه المعلم لهذا؛ لأنه كان يقلب صفحات كتاب "خدمة الشماس"، حتى سأل فادي :
- هل صحيح يا معلم اننا اتولدنا خطاة في هذا العالم؟
- نعم، فآدم يخلّف نسلاً بنفس طبيعته الساقطة. نحن نحتاج أن نعلّم أولادنا الصواب، لكنهم يفعلون الخطأ بطبيعتهم بدون تعليم قال داود النبي: "بالخطية ولدتني امي".
- لكن، ألا يوجد بعض الصالحين قط؟
- هذا يتوقف على ما اذا كنت تنظر من وجهة نظر الله أم الإنسان. الله لا يجد صلاحاً في الإنسان يؤهّله ليجد مكاناً في السماء، لقد شوهت الخطية الانسان تماما، وبالنسبة الى البر والكفاءة لدخول السماء يقول الله: لا أحد. يستحق، الجميع زاغوا وفسدوا.
- ولكن ألا يوجد خطاة أسوأ من خطاة؟
- لا شك في ذلك. لكن لا يحق لنا مقارنة ذواتنا مع الآخرين. نحن لن نُدان بالمقارنة مع الآخرين، وانما في نور قداسة وكمال الله . 
- بما اننا كلنا خطاة، لماذا نقول عن القديسين انهم قديسين؟
- هم كانوا يقولون عن انفسهم انهم خطاة، ولكن نظرا للمسيح الذي يسكن داخلهم هم قديسين. خذ مثلا، تلاميذ الرسل كلهم استشهدوا على اسم المسيح ولم يرهبوا لا مكائد اليهود ولا اضطهاد الرومان.
قال رامي:
- لكن خوفهم كان واضح يا معلمي، هذا مار يوحنا حبيب المسيح كان أول الهاربين، ثم لاحظ كم مرة فزعوا من المسيح عند ظهوره بعد القيامة. أؤكد لك أنهم كانوا يفزعون من خيالهم، مساكين!
فمطمط المعلم وقال:
- لقد ظنوه روحا ولاجل هذا قال لهم "جسوني وانظروني فان الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي"، ثم ان الأمر لا يخلو من الضعف البشري، عندهم شيء من الضعف مثلما هو عندنا. لو كانوا كما يجب، ما قال عنهم مار بولس الرسول: اختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء.
فصاح زكريا:
- صحيح يا معلم.
اما رامي فانه رمى رمية جديدة، فقال:
- معلمي، يا ترى لو ظهر لك المسيح تفزع منه مثل التلاميذ؟
فابتسم المعلم وقال: ما قولك أنت؟
فقال رامي: قولي أنا؟ يا جبل ما يهزك ريح.
فأجاب المعلم: هذه نعمة بعيدة عني، أنا عبد خاطي.
ثم تنهد تنهيدة عظيمة وقام إلى صلاة الختام وهو يقول: يا رب ارحم! ودخل الكنيسة ثانية ليلحق بلحن الختام في نهاية الطلبة المسائية ويقول في نفسه: من يعلم؟ من يدري؟ ربما يظهر لنا المسيح فعجائبه كثيرة.
أما زكريا فنهض وهو يقول: إيه! كلنا خطاة. أما الباقين فكانوا معجبين بفصاحة المعلم في الردود وطرافة الاسئلة المطروحة.
+++
في صباح يوم الجمعة تنافس الكثيرون في احضار الأزهار، ووضعها قرب الباب الملوكي أشكالًا وألوانًا، جاءوا يطرحونها على قدمي الصليب المنصوب بجانب المقصورة. وفي الغروب بعد الانتهاء من قراءات الساعة الحادية عشرة، رددوا كلمة "كيرياليصون" اربعمائة دفعة، ثم طافوا بصورة الصلبوت ثلاث مرات في صحن الهيكل وهم يرتلون لحن "غولغوثا"، ثم قبَّلوا الصورة واحدًا واحدًا مودعين المصلوب، وفي خروجهم ارتشفوا قطرات من الخل. وفي الساحة علي باب الكنيسة الخارجي كانت تنتظرهم الاغابي.
في مساء الجمعة الحزينة، نزعت الكنيسة ثيابها السوداء، وتزينت بالستائر البيضاء ذات الصلبات المشغولة بخيوط ذهبية، ابتهاجًا بقيامة الذي وهب الحياة لمن في القبور، فصلُّوا صلاة طويلة زحزحت الحزن عن صدرهم، وعادوا إلى بيوتهم فرحين بعد ترتيلهم مردات تتخلل قراءة سفر الرؤيا نصفها الاول حزايني ونصفها الاخر فرايحي.أما المعلم جرجس فظل في الكنيسة يستريح في غرفة خاصة بالغفير، منتظرًا قداس نصف الليل، كان بعض الناس يأتون للكنيسة ويمكثون بها، يطوون يوم السبت كله صوما، لأنه الرفاع ويجب صومه انقطاعا عن الطعام.
 +++
وما ان غربت الشمس حتى قرع الناقوس، واقبل الشعب إلى الكنيسة، وانقسم الشمامسة الى جوقتين يخدمون القداس: الكبار في الجانب البحرية، والصغار في القبلي. وفي مثل الساعة التي تدحرج فيها الحجر عن القبر بعد قيامة السيد، أقبل الكاهن على باب الهيكل الاوسط من الداخل ليصلي (تمثيلية القيامة) وبدايتها باليونانية "اخرستوس انيستي" وترجمتها "المسيح قام"، تطفأ الانوار ويسجد الجميع الى الارض ويصلي الكاهن ببعض عبارات المزامير ممجدا من غلب الموت بالموت، وصارخا في ابواب الفردوس الدهرية ان تنفتح ليدخل ملك المجد، الرب العزيز الجبار، الرب القاهر في الحروب. وفيما هو يطلع من امام المذبح، ولحظة اضاءة الانوار ثانية - وهي اللحظة التي قام فيها المسيح من الاموات وينتظرها الاولاد بشغف، ويحدقون بأبصارهم ببساطة طفولية لعلهم يرون المسيح- صدر صوت مدو في ساحة الكنيسة، اجفل الجميع: صرخ الأولاد والنساء، ووهل الرجال، واستبق البعض باب الكنيسة للخروج ظانين انه زلزال او تفجير ارهابي، كان المعلم راكعا امام ستر الهيكل المغلق، وحين نهض بعد لحظات بدا وكأنه افاق للتو من غيبوبة، فرأى أمامه رامي، لم يكن مدركا بعد ما حدث، فراح يستخبر قائلا: ما الذي صار يا رامي؟ أين راح الشمامسة والناس؟
فأجابه رامي: هربوا، ظهر لهم المسيح.
فضرب بيديه وقال : يه، يه، فيه حد يظهر له المسيح ويهرب؟..  وأين ابني تيموثاوس؟
- راح معهم.
ثم تفكر قليلًا وقال موبخا: عيب يا رامي، هذا ليس وقت مزاح!
- اخطأت سامحني.
اما زكريا فكان يغمغم بكلمات غير مسموعة قائلا:
خلاصك من عند الرب يا إسرائيل!
بينما هدج المعلم جرجس موبخا الشمامسة، فسمع زوجته وكانت بالصف الاول تقول: لو كان لنا حظ، كان ظهر لنا المسيح.
وتقدم الكاهن ولم يكد يخطو بضع خطوات في الممر الاوسط، حتى عاد الذين خرجوا خجلين، فوقف بباب الهيكل وهو يردد قائلا:
- صوت يعمل فينا كل هذا! ماذا لو كان تفجيرا ارهابيا، ثم التفت الى المعلم سائلا:
- هل تعرف ماذا حدث؟
- يمكن ده كان صوت صاروخ لعبة، واحد من الاشقياء قذفه من الخارج.
قال رامي:
- ربما احدثه احد الشباب، لكي يماثل صوت الزلزلة.
- وهل احد عاقل يفعل هذا؟
- لا، لكن من المحتمل ان يكون صاروخ كبير، وما يعرف انه هيعمل كل الصوت ده.
- كيرياليسون..
ثم التفت الى المعلم قائلا: كمِّل الحانك يا معلم.
أما زكريا فظل واقفًا عن يمين مذبح البخور كالملاك، تخبر عيناه الخاشعة عن أشياء كثيرة …